السيد عباس علي الموسوي
386
شرح نهج البلاغة
مناد أين أهل الفضل قال : فيقوم عنق ( 1 ) من الناس فتتلقاهم الملائكة فيقولون : وما كان فضلكم فيقولون : كنا نصل من قطعنا ونعطي من حرمنا ونعفو عمن ظلمنا فقال : فيقال لهم : صدقتم ادخلوا الجنة . ( وامحض أخاك النصيحة حسنة كانت أو قبيحة وتجرع الغيظ فإني لم أر جرعة أحلى منها عاقبة ولا ألذ مغبة . ولن لمن غالظك فإنه يوشك أن يلين لك . وخذ على عدوك بالفضل فإنه أحلى الظفرين . وإن أردت قطيعة أخيك فاستبق له من نفسك بقية يرجع إليها إن بدا له ذلك يوما ما ) في هذا الفصل الشريف خمسة أمور : الأول : قوله عليه السلام : وامحض أخاك النصيحة حسنة كانت أو قبيحة . كان للنصيحة قيمتها وأهميتها يوم كان الود بين المسلمين قائما والتحابب بينهم ساريا ، كان المسلم يلتقي مع أخيه المسلم ليقدم له النصيحة التي يراها لنفسه حيث كانت الروح الإيجابية بين الأخوة تتفاعل فيما بينهم وكانوا يعيشون كالجسد الواحد يرى أحدهم زين أخيه زينه وشين أخيه شينه . كان الأخ يندفع في سبيل بذل النصيحة لأنها تحمل الخير والود وتوجه الأخ إلى ما فيه الصلاح والسعادة . . . وكان الأخ المتوجهة نحوه النصيحة يتقلبها برحابة صدر ووعي ، يصغي إليها ويعطيها أهمية كبرى ، يحرك فكره فيها ويأخذها بعين الاعتبار . . . هكذا كان المسلمون بل أكثر من ذلك . . . وأين هم منا اليوم . . . لا يجرؤ أحد أن ينصح أحدا لأن هذه النصيحة أما أنها ترفض أو تهمل أو تأتي بشر قبيح للناصح الأمين . . . وهذا يعود تارة للناصح للشك في إخلاصه وتهمته في النصيحة أو لنفس الشخص المنصوح حيث يجد نفسه أكبر من النصيحة أو أكبر من الناصح دون أن ينظر إلى النصيحة نفسها ويحلل معناها ويدرسها بجدية وواقعية . . . ففي حين يسلك المسلمون خلاف دينهم يصر الإسلام ويؤكد ويكرر الطلب من الأخوة أن يبذلوا النصيحة لبعضهم البعض ، ليس النصيحة التي تكسب الود وترضي الأخ فحسب ، ليست النصيحة التي توافق مزاج الأخ وتوفر له الرضا بها والارتياح ، بل يجب أن تكون النصيحة حتى فيما يكون ثقيلا عليه قاسيا على سمعه وقلبه إذا كانت النصيحة صحيحة وسليمة ولها حقيقتها وواقعيتها . . . يجب أن تكون النصيحة من الأخ نحو أخيه مطلقة العنان في ما أحب وكره لأنها في كلتا الحالتين تعود عليه بالنفع والصلاح وهذا هو غاية الأخوة وهدفها البعيد .
--> ( 1 ) عنق : جماعة .